في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أطلق منتدى الفيديراليات تقرير “مسارات نحو حوكمة شاملة في سوريا: الموازنة بين الوحدة والتنوع”. يهدف التقرير إلى إثراء النقاشات الدائرة حول مستقبل الدولة السورية، وذلك من خلال ربطها بتقييم تطلعات مختلف المجتمعات في البلاد بشأن ترتيبات الحوكمة المستقبلية للدولة السورية الجديدة.
وفي ندوة عبر الإنترنت عُقدت في 20 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، قدّم معلقون سوريون من مختلف المجتمعات وجهات نظرهم حول نتائج التقرير وكيفية بناء حوكمة شاملة في سوريا.
في هذه المقالة، يُقدّم الكاتب والصحفي السوري عماد نداف تأملاته حول تقرير المنتدى وترتيبات الحوكمة للدولة السورية الجديدة.
عماد نداف كاتب وباحث سوري. نشر العديد من الكتب حول الحياة السياسية والثقافية السورية، وعمل في إنتاج وإخراج الأفلام الوثائقية. درّس إنتاج البرامج التلفزيونية والأفلام الوثائقية في ورش عمل عديدة، وشغل منصب رئيس جمعية القصة القصيرة والرواية في اتحاد الكتاب العرب. كما عمل مديرًا للبرامج في قناة الدنيا التلفزيونية (المؤسسة)، وقناة الأخبار السورية (المؤسسة). شغل منصب رئيس تحرير موقع هاشتاج سوريا الإلكتروني خلال عامي 2016 و2017. شارك بفعالية في ورشة عمل روما التي نظمتها منظمة الإنتاج السمعي البصري المتوسطية حول البرنامج التلفزيوني الوثائقي المشترك “بين الشاطئين”. وقد اعتُقل تعسفيًا لمدة عشر سنوات بسبب آرائه السياسية.
دعيتُ إلى المشاركة في مائدة مستديرة، هي جزء من ندوة عبر الإنترنت تم تنظيمها
من قبل منتدى الفيديراليات في أوتاوا بتاريخ 20 تشرين الثاني 2025 ، وفي ذلك اليوم استمعت إلى موجز عن تقرير حول مستقبل سورية إضافة إلى شهادات من أطراف سورية تحدثت عن وقائع دامية جرت بعد سقوط نظام الأسد تم البناء عليها للدعوة إلى فيدرالية سورية معتقدين أن مثل هذا المشروع يمكن أن يكون ضمانة لمكونات الشعب السوري.
ولأن التقرير الجديد للمنتدى يغطي مجالين رئيسيين يركزان على الحوكمة الشاملة، أجدهما عن وجهات نظر حول هيكل الدولة السورية المستقبلي بين مختلف المجتمعات في سورية. والثاني عن النماذج والخيارات للحوكمة الشاملة المستخدمة في البلدان الأخرى والتي يمكن أن تسترشد بها عملية الانتقال السورية..
من أجل ذلك، تابعنا باهتمام ماعُرض علينا وخاصة ملخص التقرير خلال الندوة عبر الإنترنت ، وكان لابد من عرض وجهة نظر رديفة وإن اختلفت في توجهاتها لمستقبل سورية مع ماقدم.
لقد أمضيتُ زمنا طويلا من حياتي درستُ فيه تاريخ سورية جيداً وخضتُ نقاشات واسعة حول ماضيها وحاضرها ومستقبلها الوطني، وعانيت من آرائي السياسية التي كنت أحملها وقضيت في سجني تدمر وصيدنايا قرابة عشر سنوات إبان الحكم الديكتاتوري السابق ..
وعلى ذلك أعتقد أن من واجبي كتابة وجهة نظري وسوف أتجاوز فيها الحقائق المعروفة تاريخياً المتعلقة بالاستهداف الاستعماري للمنطقة، ومشاريع تقسيم سابقة أبرزها اتفاقية سايكس بيكو .
ويكفيني من تلك المرحلة أن أشير إلى نتائج لجنة كرين التي زارت سورية في الفترة من 10 حزيران إلى 21 تموز 1919، وتجولت في البلاد من أقصاها إلى أقصاها، وكان هدفها التعرف على رأي مكونات الشعب السوري إزاء مشروع التقسيم المطروح آنذاك.
لقد تلقت اللجنة 1863 عريضة، والتقت بـ 442 وفدا من مختلف الجماعات العرقية والطائفية، ووصلت إلى النتائج التالية :
80.40 ٪ من السكان يريدون الحفاظ على وحدة سورية ، سورية الكبرى التاريخية التي تضم لبنان والأردن وفلسطين وسوريا الصغيرة.
73.5% أرادوا استقلالا تاما، وأيد 59% نظاما ملكيا دستوريا بقيادة الأمير فيصل[1]
كذلك لابد من الإشارة إلى وعد بلفور الشهير في 2 تشرين الثاني 1917، الذي أقر بإقامة “وطن قومي لليهود”، وهو ما أسس للصراع العربي الإسرائيلي وخلق حروباً دائمة في المنطقة استمرت إلى اليوم..
هذه مسائل تاريخية هامة، أردت الاستئناس بمعلوماتها، وكذلك سأفعل بمشروع برنار لويس المتعلق بالحقبة الأخيرة، والذي تم الكشف عنه من قبل المصادر الغربية نفسها من خلال وثائقها التي ظهرت للعلن، والذي يسعى لترويج مشاريع تتناقض مع تلك طموحات الشعب السوري ومكوناته..
سأنتقل مباشرة إلى الحقبة الأخيرة، التي نحن بصددها، والتي تناول تقرير منتدى الفيديراليات العتيد جوانب هامة منها من خلال بحث مضني ينبغي الانحناء تقديراً له حتى لو تم الخلاف على بعض النتائج التي تمت مقارنتها بتجارب عالمية في الحوكمة..
إن الصراعات التي شهدتها المنطقة طوال الفترة الماضية لم تكن تحمل صيغة الرغبة في عدم التعايش، ولم تكن صراعات بين المكونات بل نتائج حكم عسكري ديكتاتوري يهدف إلى السيطرة على مقدرات هذا الشعب .
و ثمة حقائق يتفق عليها الجميع ، ولاتحتاج إلى إثبات، وتتناول محورين أساسيين هما : ثورة 2011 وتبعات إسقاط النظام في عام 2024:
أولا : في الثورة : إن الثورة الشعبية التي اندلعت عام 2011 لم تكن صراعا بين مكونات الشعب السوري من أديان وإثنيات وطوائف، ولم تكن انتفاضة لمكون ضد مكون آخر، بل كانت نوعاً من تضامن هذه المكونات لإحداث تغيير ديمقراطي في البلاد[2]، وكل الوثائق والمعطيات تفيد أن الشعارات التي طرحتها موجات التظاهرات الأولى للثورة حملت شعارين رئيسيين الأول :أن الشعب السوري واحد، والثاني هو سلمية التظاهرات.
وتورد الدراسات الكثيرة تدقيقاً هاماً عن مشاركة جميع المكونات في الثورة ضد الحكم الديكتاتوري، قبل وبعد اندلاع الثورة، مع ملاحظة أن تخويف النظام (بشار الأسد وزمرته) من حالات انتقام طائفية قد تحدث فيما لو سقط، جعل بعض الأقليات تتردد في المشاركة التامة في الثورة [3].
لقد عبر المكون الدرزي عن دعمه للثورة، وكانت ابنة القائد التاريخي سلطان باشا الأطرش من رموزها ، بل إن هذا المكون طرح عام 2023 وبشكل مباشر إسقاط النظام وبناء دولة وطنية ديمقراطية، وأكد وجهاء الدروز دعمهم لوحدة سورية بعد سقوطه واستقبال الرئيس أحمد الشرع لهم.
كذلك شهدت سجون النظام السوري حالات اعتقال واسعة في صفوف الطائفة العلوية والإسماعيلية منذ السبعينيات من القرن الماضي كانت تطرح مشروعا ديمقراطياً وتستنكر الممارسات الديكتاتورية والطائفية للنظام، وقد ضمتها أحزاب ثورية ويسارية، ومن رموز الثورة الدكتور عبد العزيز الخير الذي اعتقل وصفي في السجن، وقد مثل المكون العلوي في المجلس التي الذي تشكل عام 2011.
المكون المسيحي شارك أيضا في الثورة على أرضية قيام نظام وطني ديمقراطي وهناك شواهد على تضحيات من أجل هذا الهدف كوجود الكاتب السوري الكبير ميشيل كيلو ضمن قيادات ثورة 2011، واعتقاله من قبل أكثر من مرة، وآخر فترة اعتقال امتدت عشر سنوات، إضافة إلى الناشط أكرم انطاكي الذي عرف نشاطه منذ إعلان دمشق قبل الثورة .
وإذا كان المكون المسلم في الثورة خرج من المساجد فإن المشاركين من المكونات الأخرى لم يخرجوا من الكنائس أو دور العبادة، لكن الحقائق تقول إنهم خرجوا مع المسلمين من المساجد وكذلك فعل العلمانيون والشيوعيون..
وقد عرفت الثورة أسماء أخرى من ناشطي المكون المسيحي من بينها الناشط أكرم البني وأخوته، وزياد هلال والناشط باسل شحادة الذي قتله المخابرات السورية في حمص، وهناك ناشطون آخرون مثل لانا انطاكي وبولس حلاق وسنا يازجي والدكتور هيثم سعد..
وقد شهدت الثورة مشاركات وفعاليات هامة من هذا المكون من بينها دور الدكتور جمال شحيد وابنه الراهب نبراس شحيد وكثيرون قرأوا كتاب الراهب نبراس الذي نشره مع الدكتور حسان عباس باسم تكبيرات الثورة السورية، وهناك رجال دين مسيحيون انخرطوا في الثورة مثل الآباء اليسوعيين وقد استشهد منهم الأب فرانس وأيضا الأب باولو الذي اختطفته داعش وقايضت فيه النظام على أسرى لها .
ومن الضروري في هذا السياق الإشارة إلى مشاركات المكونات السريانية والآثورية ورئيس الحزب الآثوري غبرييل موشيه وثمة أسماء وشهداء كثيرون من هذا المكون ويمكن الاستشهاد بما أعلنته أسره المحامي خليل معتوق الذي كان من أشهر المدافعين عن معتقلي الثورة، وهو من المكون المسيحي، وقد اعتقلته الأجهزة المخابراتية للأسد وتمت تصفيته في السجن.
إن شيطنة الثورة عبر افتعال هجمات عسكرية، وعبر إعطاء تسهيلات لانشقاقات عسكرية، كان الهدف منه عسكرة الثورة، وعندما حدث هذا فعلاً تراجعت المكونات المذكورة عن مشاركتها، أو انكفأت ، لكنها لم تتخلى عن مطالبها بنظام ديمقراطي جديد.
ثانياً : تم إسقاط النظام في الثامن من كانون الأول 2024 من قبل تحالف لفصائل ومجموعات مسلحة تقودها جبهة تحرير الشام ، ولا تحمل هذه المجموعات رؤى سياسية ديمقراطية واحدة كتلك التي يطرحها الرئيس أحمد الشرع كخطة للمرحلة الانتقالية..
وإذا كانت شعارات المرحلة الانتقالية ترفض تحميل المكون العلوي أي مسؤولية، فإن ذلك يؤكد أن الحكم الديكتاتوري السابق الذي قمع الأغلبية والأقليات على السواء، لم يكن يمثل الطائفة العلوية وإن كان يستجلبها للوقوف بجانبه، ولذلك فإن التظلمات التي تقدمها الطائفة العلوية اليوم بشأن حصول عمليات انتقام ضدها محقة، إذا كانت وقعت فعلاً لأنها لم تكن المسؤولة عن قمع مكونات الشعب حتى ولو كانت أعداد منها فاعلة في أجهزة القمع.
تسعى الحوكمة الآن إلى إيجاد حل، لكن الحديث عن التقسيم أو الفيدرالية أو المركزية ينأى عن الشعارات التي طرحتها المكونات تاريخيا ، وبالتالي فإن النموذج الأمثل الذي يمكن الاستناد إليه حاليا هو وحدة الشعب السوري على أرضية نظام وطني ديمقراطي وهذا ما ناضل من أجله السوريون جميعا ورفعت شعاراته عبر ثورة 2011.
إن طرح مشروع التقسيم أو الفيدرالية أو اللامركزية، قد يكون ضروريا عند استحالة التعايش بين مكونات مساحة جغرافية ما، أي أن اللجوء إلى هذا الحل يشبه العلاج بالكي، حيث يقول المثل العربي إن الكي هو آخر العلاج ، أي حرق الجرح بالنار، وأعتقد أن سورية لم تصل إلى هذه الدرجة من الصراعات، فهي تعيش الآن مرحلة انتقالية جاءت بعد حرب طويلة أرادت التغيير كما بين التقرير في مقدماته ..
وأعتقد أن المرحلة الانتقالية يمكن أن تعيد الشعب إلى هذه الشعارات التي دفع أثمانا كبيرة من أجلها، لكن المرحلة الانتقالية تحتاج إلى دعم جدي أقليمي ودولي لتتجاوز السلطات الجديدة تركة الأزمات التي تركها النظام البائد.
ولابد من الاعتراف هنا أن تأخر التأييد الدولي العملي في دعم الدولة الجديدة ساهم في وقوع أحداث دامية، مما يعني تأخر ظهور نتائج هذا التأييد.
إن هذا الإدراك يعني أن من الضروري أن يسعى الجميع إلى دعم عقد اجتماعي ديمقراطي جديد يعيد سورية كما كانت في وحدتها وتضامنها الاجتماعي بين جميع المكونات ولايتم ذلك إلا عبر النظام الديمقراطي والتمثيل الكامل والمنطقي لكل مكونات الشعب السوري.
عماد نداف / سورية ،، دمشق
imadnaddaf@hotmail.com
الهوامش
[1] راجع كتاب (سورية من الحرب الأهلية إلى الحرب المقدسة) تأليف تشارلز كلاس : How the West Stole Democracy from the Arabs
الناشر:
Atlantic Monthly Press, an imprint of Grove Atlantic, 154 West 14th Street, New York, NY 10011, Distributed by Publishers Group West. groveatlantic.com
الجزء الثالث ــ إعلان استقلال سورية ــ PART III ــ Syria’s Declaration of Independence P. 133 الفصل السابع ــ المؤتمر السوري واللجنة الأمريكية P. 134
[2] لابد من التنويه بالصيغة الايجابية الواردة في التقرير والتي تقول : ، لا تعتبر مجموعات مثل الأكراد والدروز والعلويين أنفسهم أقليات، بل مكونات أساسية في الدولة. يرون أن كلمة “أقلية” تُقلل من مكانتهم كعناصر أساسية ومواطنين متساوين في الدولة السورية. لذلك، امتنعنا عن استخدام مصطلح “الأقليات” عند الإشارة إلى هذه المجموعات، واستخدمنا بدلاً من ذلك مصطلحات مثل المكونات أو الجماعات العرقية/الدينية.
[3] راجع الدراسة المتعلقة بهذا الشأن على الرابط : https://www.ramadan2.com/2025/01/173249








